محمد بن زكريا الرازي

104

الحاوي في الطب

أذى معه فإن الأدوية التي حالها هذه الحال هي وحدها دون سائر الأدوية تقدر على اجتذاب الصديد عن عمق البدن من غير أن تثور وتهيج وتلذع العضو الذي يعالج بها ، ولهذا جعلت أول شيء استعملته من الأدوية علك البطم واستعملته وحده ومع شيء يسير من الفربيون ، أما وحده ففي أبدان النساء والصبيان والأبدان الناعمة ، وأما مع فربيون ففي الأبدان الجافة الصلبة اللحم ، وكذلك استعملت وسخ الكور « 1 » وحده أيضا ومع فربيون ، وإذا تهيأ أن يكون الوسخ صلبا عجنته ببعض أنواع الزيت اللطيفة ، وأما الأبدان الكثيرة الصلابة فاستعملت فيها السكبينج مع الزيت مرة ومرة خلطته مع علك البطم ، وعلى هذا المثال استعملت الجاوشير ، وأرى أن الحلتيت نافع إن اتخذ منه دواء لازق على مثال ما اتخذنا نحن الدواء الذي يقع فيه فربيون إلا أن الحلتيت دواء لم أمتحنه بعد بالتجربة لكنه داخل في جملة الطريق الذي به استخرجت الأدوية التي قد امتحنتها والقياس سائق في استخراج هذه ، ثم تحقق التجربة ذلك في ذلك ، وبهذا الطريق ظننت بالكبريت الذي هو لم تصبه نار أنه في غاية لطافة الأجزاء فهو نافع في جراحات الأعصاب فخلطت معه من الزيت مقدار ما صار به في ثخن وسخ الحمام وعالجت به . وإن أنت عالجت بهذا الدواء بدنا له فضل صلابة فجعلته بالزيت في ثخن العسل نفعته بذلك ، وقد امتحنت ذلك فوجدته نافعا ، وقد خلطت النورة المغسولة بزيت وأداويها به ، وأنفع ما تكون النورة إذا غسلت بماء البحر في عنفوان الحرارة في الشمس ، وإن غسلتها غسلات جعلتها أجود وأنفع . قال : وقد لزم الناس اليوم استعمال الدواء الذي ألفته أنا من جزء شمع ونصف جزء علك البطم ونصف جزء زفت - وربما جعلت مقدارهما أكثر من الشمع - ومن الفربيون نصف سدس الشمع ، أدقه وأنخله وأجمعه مع الأدوية وهي ذائبة ، وتأليف هذا الدواء في « قاطاجانس » بأحكام . قال : وجملة أن مداواة العصب الذي تصيبه وجأة أو نخسة أو ينتقض اتصالها بضرب آخر أي الضروب كان ، ويكون بأدوية تحدث حرارة فاترة وتجفيفا غاية التجفيف ويكون جوهرها جوهرا جاذبا لطيف الأجزاء ، وينبغي أن يكون عالما بوجوه المداواة . من ذلك أن رجلا وضع دواء الفربيون على وجأة في العصب ساعة وقعت وكان جربه مرات فأنجح في جراحات العصب ، فأراني العضو في الثالث وقد ورم فسألت أنا المريض : هل وجدت في أول يوم وضع الدواء عليه في ذلك شبه حرارة شمس فاترة ؟ فذكر أنه لم يجد شيئا من ذلك ، فسألت الطبيب فذكر عمل الدواء وذكر أن عمله منه سنة ، وسألته عمن عالجهم به ، فقال : غلامان وفتى ، وسألته عن حال أبدانهم ، فقال : كانت بيضا رخصة ، فعلمت أن الفربيون كان ناقصا عن مقدار ما يحتاج إليه مزاج هذا العليل ، فأمرته أن يجيء

--> ( 1 ) في الأصل : الكوز .